السيد محمد تقي المدرسي

106

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

ان هذا الإطار الضيق من التفكر لا ريب انه يحصر الانسان في زاوية لا يبصر منها إلا ما يتصور أنه يحقق له البقاء دون أدنى نظرة مستقبلية ، فينقاد شاء أم أبى إلى متاهات لانتيجة لها إلّا السقوط إلى حضيض حب الحياة العاجلة ، وبالتالي السقوط والهوي إلى الأرض . . ولهذا قيل : أن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، فالحب يعمي ويصم ومن ثم يجر وراءه الكثير من التصرفات التي تجر الانسان من انسانيته فلم يعد حينئذ أشرف المخلوقات ، ويعجز عندها من أن يدرك انه ما خلق ليحيا هذا السنين المعدودات القصار في عمر الزمن فحسب ، ما خلق ليحيا هذه العاجلة فقط ، ويعجز ان يفهم فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( التوبة / 38 ) بل هو أيضاً يغفل عن الآجلة ويعيى عن فهم معنى الخلود وان هناك حياة أخرى هي خير وأبقى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِنْهَا عَمُونَ ( النمل / 66 ) . ثم إن الانسان حين تنحصر أفكاره وتصرفاته في حدود آنية ، وحين يتصور ان عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة ؛ انما تتنامى فيه عادة التقاعس والخمول والاستسلام الذي يفتُّ في عضده ويعيقه عن مواجهة المشكلات وبالتالي عن الوصول إلى طموحاته المعنوية والمادية . وهذا امام المتقين علي عليه السلام يقول : " ولا ينال العبد نعمة إلّا بفراق أخرى " . ( « 1 » ) فما من شك في أن من يريد المستقبل لابد ان يترك بعض لذاته الحاضرة ، ويعد نفسه لتجاوز هذه العقبة الكأداء من حب الدنيا والغفلة عن الآخرة . وليس ذلك

--> ( 1 ) نهج البلاغة / قصار الحكم / 19 .